عقد جلالةُ السُّلطان المُعظّم /حفظهُ اللهُ ورعاهُ/ وفخامةُ رئيسِ جُمهوريّة #الصّين الشّعبية يعقدان جلسةَ مباحثاتٍ رسميّةً موسّعةً بقاعة الشّعب الكبرى في العاصمة بكين في إطار الزّيارة التي يقوم بها جلالتُه إلى جُمهوريّة الصّين الشعبية.
جرى خلال اللّقاء بحثُ مجالات التّعاون القائمة بين البلديْن وسبل تعزيزها لا سيما في قطاعات التّقنية والابتكار، والذّكاء الاصطناعي، والطّاقة، والطّاقة المُتجدّدة، والصّناعات التحويليّة، واللوجستيّات والتّجارة الرّقميّة، والأمن الغذائي وتعزيز التّكامل بين المناطق الاقتصاديّة والموانئ.
وألقى جلالةُ السُّلطان المُعظّم /أيّدهُ اللهُ/ كلمةً بهذه المناسبة فيما يأتي نصُّها:
فخامةَ الرئيس شي جين بينغ،رئيسَ جمهوريةِ الصينِ الشعبيةِ الصديقةِ،
إنه لمن دواعي سرورنا أن نكونَ في رحابِ بلدِكم العريق، جمهوريةِ الصينِ الشعبيةِ الصديقة، التي لطالما كانت جسراً حضارياً وإنسانياً يربطُ بين الشرقِ والغرب، ومركزاً للإشعاعِ الثقافي والتنوع الفكري. معبّرين عن بالغِ تقديرنا لحفاوة الاستقبالِ وكرمِ الضيافة، وما لمسناه من أصالةِ الشعبِ الصيني الصديق، وعمقِ الصداقةِ والاحترامِ بين بلدينا وشعبينا.
ولا يسعُنا إلا أن نغتنمَ هذه المناسبةَ للتأكيدِ على عمقِ العلاقاتِ التاريخيةِ بين جمهوريةِ الصين الشعبيةِ الصديقة وسلطنةِ عُمان، ولنؤكّدَ التزامَنا، ودعمَنا المباشرَ لتطويرِ هذه العلاقات، التي شهدت نمواً متسارعاً خلالَ الفترةِ الماضيةِ في المجالاتِ الاقتصاديةِ والتجاريةِ والاستثمارية، ولقد رافقني في هذه الزيارةِ عددٌ من الوزراءِ المَعنيين بهذا الشأن؛ لاستكشافِ المزيدِ من فرصِ التعاونِ بين بلدينا. كما إننا ننظرُ إلى هذه الزيارةِ باعتبارها منطلقاً جديداً لمسيرةِ العلاقاتِ العُمانيةِ الصينية.
لقد شهدَتْ العلاقاتُ بين بلدينا، منذُ إقامتِها تطوراً إيجابياً متواصلاً، حيث أصبحتْ بلادكم الشريكَ التجاريّ الأولَ لسلطنةِ عُمان، وبلغت الاستثماراتُ المباشرةُ للشركاتِ الصينيةِ في بلدنا خلالَ السنواتِ القليلةِ الماضيةِ بالشراكةِ مع جهاز الاستثمارِ العُماني أكثرَ من 33 مليار يوان صيني، واتسعتْ مجالاتُ الشراكةِ لتشملَ الطاقة والصناعة والبنية الأسرية والخدمات اللوجستية والتقنياتِ المتقدمة.
وإننا نرى في هذا التطورِ تحوّلاً نوعياً في طبيعةِ العلاقاتِ الاقتصاديةِ بين بلدينا، فأسست شراكةً أكثرَ تنوّعاً وعُمْقاً، قائمةً على تبادلِ الخبراتِ والاستثمارِ المشترك، وبناءِ القدراتِ الإنتاجية، وتطوير الصناعاتِ القائمةِ على المعرفةِ والتكنولوجيا. ونولي هذه العلاقاتِ أهميةً خاصةً، آملينَ زيادةَ حجمِ التبادلِ التجاري، وتشجيعَ إقامةِ المشاريع من خلالِ الصناديقِ الاستثماريةِ المشتركة، في عددٍ من القطاعاتِ الاستراتيجية وخاصةً في الصناعاتِ المرتبطةِ بالطاقةِ المتجددة والذكاءِ الاصطناعي، والتقنياتِ الرقمية، والفضاءِ والصناعاتِ الدفاعية، التعاون بين مؤسساتنا التعليمية والتدريبية؛ لتطويرِ البحثِ والابتكارِ في مجالاتِ التكنولوجيا، والرعايةِ الصحية، والأمنِ الغذائي، وغيرها من المشاريع، كما نؤكّدُ كذلك على أهميةِ مواصلةِ التعاونِ الثقافي بما يسهمُ في إثراءِ المعرفةِ والتلاقي الحضاري بين الشعوب.
كما إننا نُولي أهميةً خاصةً للتعاونِ بين المؤسساتِ الاستثمارية والمالية، وما يتيحهُ ذلك من فرصٍ لاستكشافِ وتطويرِ الشراكاتِ الحيويةِ والاستراتيجية المتنوعة.
وإننا في سلطنةِ عُمان منفتحون على الدخولِ في اتفاقيةٍ ثنائيةٍ تفضيليةٍ للتجارةِ والاستثمار مع جمهوريةِ الصين الشعبية؛ ليقيننا بأن هذه الاتفاقيةَ ستفتحُ سُبُلاً جديدةً للتجارةِ والاستثمار، وستسهمُ في تحريرِ وتعزيزِ التبادلِ التجاري والاستثماري بين البلدين، وفتحِ آفاقٍ أوسعَ للمنافعِ والمصالحِ المشتركة.
فخامةَ الرئيس،
نود أن نبديَ إعجابنا بنموذجكم في الحكمِ الذي استطاعَ أن يحوّلَ بلدَكم إلى قوةٍ اقتصاديةٍ عالميةٍ كبرى، تعدّى أثَرُها الحدودَ الصينية، وساهمت في النهوضِ باقتصادِ العديدِ من الدولِ الصديقة. ونشارككم الرؤيةَ نفسَها في أن الإنسانَ هو المحورُ الأساسيُ والهدفُ من هذه التنميةِ الاقتصادية، وإن رسالتكم الاقتصاديةَ التي تميزت بعدم مزجها بأي أهدافٍ سياسيةٍ أو هيمنةٍ لهي واضحةٌ لدينا ومحلُّ احترامٍ وتقدير.
كانت الجغرافيا وطُرُقُ الملاحةِ ومازالت من العواملِ التي ساعدت على التقاربِ بين سلطنةِ عُمان والصين، فالموقعُ الجغرافي للموانئ العُمانيةِ يمنحُ سلطنةَ عُمان اليومَ مزايا مهمةً تتجلى في ربطِ الأسواق وسلاسل الإمدادِ العالمية، عبرَ موانئها ومناطقِها الاقتصاديةِ والصناعية، وما تشهدهُ من تطويرٍ في البنيةِ الأساسيةِ والقدراتِ اللوجستية.
ولذلك، فإننا ننظرُ إلى مبادرة “الحزام والطريق” التي أطلقتموها، وإلى “رؤية عُمان 2040″، باعتبارهما إطارين يُتيحان فرَصاً واسعةً للتكاملِ بين التوجهاتِ التنمويةِ لبلدينا، ولا سيّما في مجالاتِ الصناعةِ المتقدمة، والطاقةِ المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والتقنياتِ الحديثة، والاقتصادِ الرقمي، والخدماتِ اللوجستية.
إن التحولاتِ المتسارعةَ التي يشهدُها العالمُ، وما يصاحبُها من تغيّراتٍ في أنماطِ الحياةِ، والتحدياتِ المتمثلةِ في التحولاتِ المناخيةِ وأمن الطاقةِ والأمن الغذائي والصحي، واستقرارِ سلاسل الإمداد؛ لتؤكّدُ جميعُها أهميةَ الشراكاتِ القائمةِ على الثقة والاعتمادِ المتبادلِ وترابطِ المصالح.
وإننا نؤمنُ بأن التنميةَ والاستقرارَ عنصران متلازمان، وأنَّ إزدهارَ الشعوبِ يتطلبُ بيئةً يسودُها الأمنُ والسلامُ، واحترامُ سيادة الدول، والقانونِ الدَّولي، وتُعالَجُ فيها الخلافاتُ بالوسائل السلمية، وتُوَجَّهُ فيها المواردُ نحو البناء والتنمية. وإنَّنا إذ نثمنُ دورَكم القياديَّ في هذا الشأن؛ لندعو إلى مواصلة التنسيقِ مع جمهورية الصين الشعبية، بما يخدمُ مصالحَنا المشتركةَ، ويسهمُ في تعزيز الأمنِ والاستقرار والتعاونِ الدَّولي، مُعربين عن تقديرنا الكبير للمواقف الصينية تجاه القضايا المحورية التي تمسُّ منطقتَنا..
كما إننا نؤكدُ مجدداً على موقفِ سلطنةِ عُمان الثابتِ من مبدأ الصين الواحدة، دعمنا لوحدة الأراضي الصينية وسيادتها. إن هذا الموقفَ الراسخَ في سياستنا الخارجية، يعكسُ الاحترامَ المتبادلَ والثقةَ السياسيةَ التي تميّزُ علاقاتِنا الثنائيةَ على مدى عقود.
فخامةَ الرئيس،
إذا كانت طرقُ الحريرِ البحريةِ القديمةِ قد ربطتْ بين موانئ بلدينا وشعبينا، فإنَّ طموحَنا اليومَ هو أن تمتدَّ جسورُ التعاونِ بين مؤسساتِنا واقتصاداتِنا ومراكزِ البحثِ والابتكار، وأن ننتقلَ بشراكتنا من التواصلِ عبرَ طرقِ التجارةِ إلى التكاملِ في صناعةِ المستقبل.
نجدّدُ لفخامتِكم خالصَ تقديرِنا وبالغَ شكرِنا لهذه الدعوةِ الكريمة، متطلعين إلى مواصلةِ العملِ معكم لترسيخِ الشراكةِ والصداقة، بما يُحَقّقُ الخيرَ والنَّماءَ لشعوبنا، ويسهمُ في تعزيزِ السلامِ والاستقرارِ والازدهار.
مع صادقِ أمنياتنا للشعبِ الصيني الصديق باستمرارِ التقدم والازدهار.

