دبلوماسية التبسيط.. تجربة سلطنة عُمان في تصفير التعقيد الإداري
- السبلة – نيوز
تُعرَّف البيروقراطية تقليدياً بأنها منظومة من القواعد والإجراءات الهرمية التي تهدف إلى تنظيم العمل وضبطه. ورغم أنها وُضعت أصلاً لضمان العدالة والسلاسة، إلا أن هذا التنظيم تحوّل في كثير من الأحيان إلى عبء يثقل كاهل الأفراد والمؤسسات.
فحين تتضخم اللوائح، وتتعدد الموافقات، وتتشابك المسارات، يصبح الوصول إلى الخدمة رحلة طويلة من الانتظار، لا تختلف كثيراً عن الدوران في متاهة إدارية لا نهاية لها.
“البيروقراطية الرقمية هي النتيجة الحتمية لنقل الإجراءات القديمة إلى المنصات الحديثة دون إعادة هندستها”.
فخ الاستنساخ الرقمي
مع دخول العالم عصر الرقمنة، بدا وكأن الحل قد وصل أخيراً؛ حيث وُصفت “الأتمتة” بأنها العصا السحرية القادرة على إنهاء البيروقراطية التقليدية.
لكن الواقع كشف أن البيروقراطية لا تختفي بسهولة، بل تغيّر جلدها فقط لتظهر تحت مسمى «البيروقراطية الرقمية».
هذا الوجه الجديد للتعقيد الإداري يبرز حين لا تُصمَّم الأنظمة الرقمية بروح التبسيط، بل بروح “الاستنساخ”.
فالكثير من المؤسسات حول العالم نقلت إجراءاتها الورقية كما هي إلى المنصات الإلكترونية دون إعادة هندسة حقيقية، فتحوّل التعقيد من ورقي إلى إلكتروني، وبقي المتعامل يواجه التحديات ذاتها ولكن عبر واجهة شاشة بدلاً من مكتب الموظف.
النموذج العماني
في المقابل، تبذل سلطنة عمان جهوداً لافتة لتجاوز هذا الفخ التقني.
حيث تشهد سلطنة عُمان نقلة نوعية في:
- قطاع رقمنة الخدمات الحكومية، مدفوعةً بالخطة الاستراتيجية “رؤية عُمان 2040” والبرنامج الوطني للتحول الرقمي الحكومي “تحوُّل” (2021-2025).
وتهدف هذه الجهود إلى بناء حكومة ذكية تقدم خدماتها بكفاءة وشفافية لتعزيز جودة الحياة ودعم الاقتصاد الرقمي.
تحدي التشريعات وإعادة الهندسة
رغم هذه الجهود الطموحة، تبرز تحديات موضوعية؛ فبعض التشريعات والقوانين التي وُضعت في زمن مختلف قد لا تمنح المرونة الكافية لإعادة هندسة الإجراءات بشكل كامل.
فقد يشترط القانون مستندات معينة أو يفرض تسلسلاً محدداً للموافقات، مما يجعل التغيير التقني وحده غير كافٍ ما لم يواكبه تطوير تشريعي.
كما أن تعدد الجهات وتداخل الاختصاصات قد يخلق مسارات معقدة تتطلب جهوداً مضاعفة لتبسيطها.
نحو فكر شمولي
في نهاية المطاف، البيروقراطية ليست قدراً محتوماً لا يمكن الفكاك منه.
إن تجاوز “المتاهة الإدارية” يتطلب تفكيراً شمولياً يبدأ من الجذور، ويشمل تحديث التشريعات بما ينسجم مع سرعة العصر، وتبني ثقافة مؤسسية متجددة تؤمن بأن الغاية من الوظيفة العامة هي تيسير حياة الناس، لا تقييدها بالإجراءات.
